Menu

Cheb Hasni – الشاب حسني: ذاكرة الرومانسية العربية

26 September 2011

 

 

سعيد خطيبي

رغم مرور سبعة عشرة سنة على رحيل أمير أغنية الراي العاطفية الشاب حسني، إلا أن ذكرى الرجل وأعماله الفنية ما تزال تشكل جزءا لا يتجزأ من يوميات الجزائريين..

الأربعاء 28 سبتمبر 1994، في حدود الساعة السابعة مساء.. التقى الشاب حسني، بالقرب من بوابة المحطة الجهوية للتلفزيون بوهران، أحد الأصدقاء المقربين والمعروف باسم ”بوعلام ديسكو مغرب”.. كان لقاء عابرا ومقتضبا استغله  حسني لدعوة بوعلام إلى مرافقته لحضور حفل زفاف إحدىالصديقات أمسية الغد

الخميس 29 سبتمبر ,.1994 في حدود الساعة الحادية عشرة والنصف صباحا، وقف الشاب حسني أمام عتبة البيت بحي فمبيطة الشعبي وسط وهران..حدق في ملامح بعض المارة.. وأعاد تأمل الحي حيث وُلد وكبر.. شارد الذهن ومشتت الأفكار بين الكرة (1) والفن..في حدود الحادية عشرة وخمس وأربعين دقيقة توقفت سيارة من  نوع 12 R ، خضراء اللون، على طرف الحي.. نزل رجل في حدود الثلاثين من العمر وبقي السائق ممسكا بمقود السيارة… اقترب الرجل ذو القامة المتوسطة من الشاب حسني الذي اعتقد أنه أحد المعجبين أو أحد الأصدقاء القدامى جاء لتقديم التحية فاستعد وبادر بالابتسام.. ليفاجئه القادم ”الغريب” بمحشوشة مخبأة خلف الظهر.. أطلق عليه رصاصة أولى أصابت الرقبة.. ثم رصاصة ثانية أصابت الرأس وأردت الشاب حسني قتيلا.. ليفر الرجل مسرعا إلى السيارة التي انطلقت بسرعة صوب وجهة مجهولة(بحسب الرواية الرسمية).. ويهرع هواري، شقيق الضحية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ويجد حسني يموج في بركة دم، ليتم نقله، على جناح السرعة، إلى المستشفى الجامعي بوهران ويتم، ظهيرة اليوم نفسه، إعلان وفاة الرجل وتدخل مدينة وهران، وعديد المدن الجزائرية المجاورة، حالة هيستيريا واسعة دامت قرابة الأسبوعين. حيث توافد الآلاف على المستشفى ثم على بيت عائلة الراحل بغية تقديم العزاء، وذكرت بعض الروايات المتداولة بقوة وقوع كثير من الحوادث التراجيدية عقب واقعة الاغتيال.. يذكر أن نساء وشابات كثيرات أصبن بحالة انهيار عصبي بينما أقدم بعض الشباب على الانتحار..
غداة الحادثة.. في 30 سبتمبر.. كتبت جريدة ”لومانيتيه(l’Humanité) الفرنسية تقول: ”جاءت عملية اغتيال الشاب حسني أربعة أيام بعد اختطاف المغني القبائلي معطوب الوناس. في كلتا الواقعتين، المستهدف هو الشباب الجزائري (الذي يشكل ثلثي المجتمع). هذا الشباب الذي ترغب الأصولية في إخضاعه وتكميم فمه.

تعتبر شخصية الشاب حسني إحدى الشخصيات القليلة التي عرفت حالة توافق وتمتعت باحترام نظرائها المغنين، حيث تلقت عائلة الراحل، بعد حادثة الاغتيال المأساوية، إجماعا ونعيا مشتركا من طرف مختلف النجوم. فجاء على لسان مامي: ”أعتبر نفسي أحد عشاق أغاني حسني، حيث ما أزال أحب الاستماع إلى أغنية “مازال السوفونير(الذكرى) عندي”. وقال مسعود بلمو إن” حسني شهيد أغنية الراي”. واعترف الشاب خالد الذي غنى مع الراحل ببعض النوادي أن ”ذكرى حسني ستظل خالدة”. وقال لطفي عطار، عضو فرقة راينا راي إن “الشاب حسني وصل في الوقت المناسب وقام بتهذيب أغنية الراي”.


غير هنا وندير القلب..

“غير هنا وندير القلب”.. عبارة مستمدة من إحدى أغاني الشاب حسني التي صارت تمثل مقولة مأثورة بين مختلف فئات الشباب الجزائري اليوم، شأنها شأن كثير من المقولات المستمدة من ريبرتوار أمير أغنية الراي العاطفية الذي صنع، في ظرف أقل من ثماني سنوات من العمل الموسيقي المتواصل، شهرة بقيت ثابتة على مرّ السنوات..

صيف 1985، لم يكن الصغير حسني شقرون، ذو17 ربيعا، أكثر من مراهق عادي (يعتبره البعض فاشلا).. من عائلة بسيطة.. من حي شعبي متواضع.. حيث كان والده، المشتغل في مهنة الحدادة، يلهث بغية كسب لقمة العيش.. خلال السنة نفسها أزهق الصغير حسني طموح الوالدين بعدما فشل في اجتياز امتحانات السنة الرابعة متوسط، وتخلى نهائيا عن مقاعد الدراسة..

في البداية، اعتقد الوالد أن شلة ”أصحاب السوء” كانت سببا في فشل الابن حسني..ما كان يحتم عليه مرارا نهره ومطالبته بالتقليل من مراودتهم.. متجاهلا بروز نزعة موسيقية داخل الفتي الصغير الذي كان يقضي جلّ الوقت في حي فمبيطة في ترديد بعض أغاني الراي المعروفة خلال تلك الفترة.. مبينا ميلا إلى ولوج التجربة وإثبات الذات بعد تكرر سلسلة محطات الفشل (2).


من ”البراكة” إلى 5 جويلية..


بحكم التواجد في وهران فإن حسني شقرون، على غرار كثير من شباب المدينة، أبان على تأثر مبكر بموسيقى الراي وظلّ متابعا وفيا لأحدث إصدارت أهم نجوم تلك الحقبة أمثال الشاب خالد وفضيلة وصحراوي، مبرزا رغبة في خوض غمار التجربة نفسها والتي شرع نوافذها من خلال تنشيط، بداية من سنة 1984، بعض الحفلات المصغرة بمعية أبناء الحي قبل الانتقال، شيئا فشيئا، إلى تنشيط الأعراس. ثم، تتويجا للحضور والأداء المميز، بلغ القدرة على دخول نوادي وهران والغناء في سهرات الباهية الحالمة التي كانت تجمع كثيرا من رجال الأعمال المعروفين وكذا أصحاب دور الإنتاج الموسيقي المعروفة، مما سهل عملية الالتقاء وبلوغ صيغة اتفاق مع أحد المنتجين المحليين الذي فتح أمام حسني سبل النجاح الشعبي (3.).

أفريل 1986، في سن الثامنة عشرة.. كان القدر في انتظار الشاب حسني الذي توصل إلى اتفاق مع شركة إنتاج محلية بغية تسجيل أول ألبوم غنائي يجمعه مع مغنية تكبره بثماني سنوات (ستصير لاحقا أحد أهم أسماء الراي) يلقبونها بـ ”الزهوانية”.. حيث أديا معا أغنية لاقت النجاح المرجو وشكلت أهم مبيعات صيف 1986 والمعنونة ”في براكة” (4)، والتي يعتبرها الكثيرون إحدى الأغاني الأكثر ”إيروتيكية” في الراي، بينما يعتقد آخرون أنها مرآة عاكسة لحقبة اجتماعية مرّة. وجاء في بعض مقاطعها: ”أنا حي علي وحبيبي لا.. وأنا وأنا والليلة ما تفراشي.. ندير لها تيليفون وتجيني اليوم…”.

بعد نجاح أول الأعمال وأول التسجيلات، استمر الشاب حسني في انتهاج السبيل نفسه قبل أن يقرر، مطلع التسعينيات، التركيز على نمط غنائي واحد والمتمثل في أغنية الراي العاطفية، وهو النمط الذي ميّز مسيرته الفنية إلى غاية نهايتها العام 1994 والتي توجت برقم 150 ألبوم (شريط كاسيت)، بمعدل ألبومين كل أسبوع، وقرابة 500 أغنية (5) في المجموع وعديد الحفلات في الجزائر وخارجها، حيث غنى في المغرب وفرنسا والسويد والنرويج. وما يزال الكثير يحتفظ اليوم بأهم صور الشاب حسني في اختتام الحفل الفني الكبير المنظم في ملعب 5 جويلية، العام 1993، بمناسبة  الذكرى 31 للاستقلال والذي استقطب الآلاف من عشاق الراحل (6).


قالوا: الحب مات..

سنتان قبل حادثة اغتيال أمير أغنية الراي العاطفية حسني، وردت إشاعة اكتسحت وهران كاملة تفيد باغتيال المغني.. حالة تيه لفت عائلة المغني.. حيث توجه عديد المغنين، يتقدمهم الشاب صحراوي إلى بيت المغني ليطمئنوا ويفندوا الشائعة أويقدموا العزاء لعائلة حسني الذي لم يجد غير مخاطبة أصحاب الشائعة بأغنية ”قالوا حسني مات”، التي تنضم إلى القائمة الطويلة جدا من أغاني الرجل، والتي ما تزال تصنع يوميات جيل كامل من الجزائريين، على غرار ”شوفو عشقها ما درا فيا” و”اعذروني قلبي حساس” و”علاش يا عيني” و”أنا وصاحبي شوفناهاو”البيضاء مون أمور” و”ڤاع النساء” و”غير الزرقا وأنا” و”هذا الزين” و”الليلة ما تفراشي” و”مازال قلبي من الكية ما برا” وغيرها كثير. حيث تذكر والدة الراحل أنه كان يتلقى، بشكل يومي، عددا كبيرا من الرسائل ويتلقى زيارات المجاملة، من الجنسين، تعبيرا عن الصدى والوقع والأثر الكبير الذي حققته أغانيه في نفسية الشباب..في زمن كانت الجزائر تستيقظ صباحا على وتر التفجيرات الإرهابية...الاغتيالات(7).. الحواجز الأمنية المزيفة.. هجرة النجوم والأدمغة إلى الخارج(8). بقي الشاب حسني متمسكا بالجزائر.. مدينة وهران التي عشقها طويلا..حيث استطاع بإيمانه بقوة الكلمة وصدق الإحساس أن يرد الابتسامة لكثير من الشباب الذين جارت عليهم الحياة..


الهوامش


(1) كان الشاب حسني متابعا لآخر تطورات الكرة في الجزائر. العام 1994، كان يتابع بداية مباريات البطولة الوطنية حيث كان ينشط فريق مولودية وهران. مع العلم أن الفنان نفسه لعب سنوات الثمانينيات في صفوف فريق جمعية وهران قبل أن يتوقف مساره الرياضي إثر إصابته على مستوى الكاحل الأيمن.


(2)
الفشل في الدراسة والفشل في مواصلة المسيرة الرياضية مع فريق جمعية وهران.


(3)
كان عديد المنتجين الموسيقيين في وهران يجدون في سهرات النوادي والملاهي الليلية فرصة وتربة خصبة للتعرف على المواهب الشابة وانتقاء الأصوات القادرة على استمالة الجمهور

.
(4)
قام بتأدية الأغنية نفسها، لأول مرة الشاب خالد العام 1983 قبل أن يعيدها حسني والزهوانية ثم يعيدها خالد، مرة أخرى، بمعية الزهوانية مطلع التسعينيات.


(5)
بفضل النجاح المميز الذي عرفته أول أعمال الشاب حسني، فقد شهد تهافتا كبيرا من طرف مؤسسات الإنتاج الخاصة والتي وجدت في المغني وسيلة مهمة في تحقيق الريع السريع. حيث كان يقوم بتأليف وتلحين كلمات الأغاني في وقت قياسي بغية تلبية الطلب المتزايد على أعماله.


(6)
يذكر أن الحفل نفسه استقطب الآلاف من الشباب والعائلات الذين امتلأت بهم مدرجات 5 جويلية، حيث استمر الحفل إلى غاية ساعة متأخرة من الليل ومنعت قوات الأمن الجمهور من الخروج من الملعب إلى غاية الصباح بسبب إقرارحالة حظر التجول.


(7)
بداية من اغتيال رئيس الجمهورية الأسبق محمد بوضياف العام 1992 ثم سلسلة الاغتيالات التي مست عديد المثقفين والشخصيات السياسية المختلفة.


(8)
بدءا  بالشاب خالد الذي فضل الاستقرار بفرنسا، ثم مغنين آخرين سلكوا النهج نفسه ومعهم بعض المثقفين الجزائريين أيضا.

 

 

 



Raï hero Cheb Hasni: silenced in 1994






 

 

   
Home / News / Cheb Hasni – الشاب حسني: ذاكرة الرومانسية العربية